احديث الحمص في سيدي قاسم

 

التقيت ذات يوم، الوزير المفوض لدى السفارة الفلسطينية بالرباط ( واصف منصور)، في محاضرة ألقاها حول "الكفاح الفلسطيني"، وبعد انتهاء هذا الدبلوماسي من إلقاء محاضرته،  سألته قائلا؛ خلال عقود "قاومتم" بالحجر، ثم بالمؤتمرات، ثم بالاتفاقيات والعديد من التنازلات، ثم ظهرت حركة حماس وبدأت تقاوم بصواريخ "القسام" فانتقدتموها، فماذا بقي لكم غير هذه الأشياء للمقاومة يا سعادة الوزير؟  فرد علي قائلا؛ بقي لدينا غصن الزيتون، سنحمله بين أيدينا لنقاوم به.

وحينما سمعت جواب هذا الدبلوماسي المنتمي لحركة "فتح" عرفت أن حديثه يشبه حكاية (احديث الحَمْص)، أو يقارب على الأقل معاني أغنية شخبط شخبيط لخبط لخبيط، يعني مكاين  والو..

مناسبة هذا الحديث، هو ما حصل مؤخرا لجمعية مرضى القصور الكلوي، الذي خصصت لهم البلدية منحة قدرها 10 آلاف درهم، لكن العمالة رفضتها، وحينما سأل البعض عن سبب هذا الرفض، رفعت العمالة يافطة تشبه  تلك التي تكون عادة على مقدمة الحافلات، مكتوب عليها "ممنوع الحديث مع العمالة"، على وزن ممنوع الحديث مع السائق. يعني (مكاين والو) فلا تتعبوا حناجركم.

 وهذا أيضا، حصل لضحايا الزيوت المسمومة بهذه المدينة وهم 160 حالة، تعيش في إعاقة دائمة وصعوبات حياتية لا يعلم بها إلا الله منذ سنة 1959، لدى طالبوا لقاءا مع عدة مسؤولين من بينهم عامل الإقليم، خصوصا وأنهم مواطنون ينتمون لهذا البلد ولهذا الإقليم ومراعاة حقهم في العيش بكرامة هو ابسط ما يمكن أن يطالبوا به، لدى تحدثوا وقالوا أكثر مما قاله مالك في الخمر، على أنهم يريدون لقاءا مع أي مسؤول ليسمع لشكواهم، لكن الكل رفض اللقاء بهم ولو طارت معزة.

هذا كله يحدث في عهد محمد السادس، الذي أتى بمفهوم تكريم البشر قبل الحجر، وهو مفهوم وفلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومع ذلك نجد أنه مازال لدينا من يتعامل مع مواطني هذا البلد وحياتهم وكأن قيمتهم تساوي نصف كيلو من البطاطس أو أقل.

والحقيقة، أننا جيل لا نريد أن نتحدث كل يوم على أنه لا يوجد إلا السلبيات، وأن العالم من كثرة المآسي سيختفي عند نهاية الأسبوع، ولكن واقع الحال، وواقع المواطن حمَال كل الهموم والمشاكل التي ترهن حياته وتضعها في كف عفريت، هي من يجعلنا نسلط الضوء على السلبيات مادمت الإيجابيات على قلتها قد ربحناها، ولا يجب أن نطبل لها في كل مرة وحين، لذا دورنا الحقيقي هو أن نسلط الضوء على المناطق المظلمة لنعرف ما فيها وكيف تدار الأمور، حتى وإن كانت بعض هذه الحقائق مضحكة، والتي من بينها أن أصبحت سيدي قاسم "تحتضن" أكبر بؤر التوتر في العالم، فقد تفتقت "عبقرية" أحدهم فقرر أن يعكسها على أزقة ودروب هذه المدينة، فأصبحت أزقة في (أفكا) مثلا تحمل اسم الشيشان، وأفغانستان، وطاجاكستان، وأخرى تحمل اسم (سمرقند)، وكان جليا بمن وضع اسم سمرقند أن يضيف بجانبها أنها مسقط رأس البخاري والترميذي دعما للمعرفة على الأقل، وليضرب هذا "العبقري" الذي أنيطت له مهمة تسمية الأزقة عصفورين بحجر واحد هما ثقافة وتكَرْكيرْ.

و في الواقع، أن مثل هذه الأسماء لا توجد في حي( أفكا) فقط بل تشمل أيضا أحياء أخرى من بينها حي(أزغار)، فهناك مثلا زنقة اسمها تركمانستان أغلب ساكنتها لا يعرفون هل هذا الاسم هو لدولة أم لقبيلة تتطاحن مع الجنجويد وسط أدغال إفريقيا؟؟

وعلى ذكر حي أزغار، فقد توصلنا في الجريدة بشكايات عدة مفادها أنه بين كل دار ودار أصبح هناك (برتوش)، فالحي الذي عرف فيما سبق أنه من الأحياء الراقية في سيدي قاسم، أصبح اليوم من الأحياء التي سمعتها كسمعة الجراد في الحضيض.

وهكذا، حينما ينظر البعض منا للسلبيات وللإيجابيات التي يعيشها هذا الإقليم ويحاول المقارنة بينها، سيجد نفسه وكأنه يشاهد فلم '' التحليق فوق عش كوكو'' لمخرجه ميلوس فورمان، أو كأنه يقرأ مقدمة ابن خلدون ويتذكر بين الحين والآخر مؤخرة ترتيب هذا الإقليم على الصعيد الوطني، خصوصا حينما يطل علينا بعض المسؤولين ليصرحوا بأن "الخير قادم" وهي التصريحات التي لا يمكن تصدقيها لأنها تشبه في هزلها فتوى الفأر الذي إن سقط في السمن وخرج منه حيا، فهل يبقى السمن حلالا أم حراما !!

خالد البرحلي// المغرب

khalid_berhli@hotmail.com



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية