الحريك مــشـروع أمــــة .. حـــلم قــارة
....... 

إذا كانت نساء الفقيه بن صالح حَرّمْن على أنفسهن أكل السمك بجميع أنواعه لاعتقادهن أن أكله يعني أكل لحم أبنائهن الذين غرقوا في البحر أثناء رحلات الهجرة المتكررة، فإن نساء مناطق كثيرة من الغرب المغربي عشن نفس التجربة ونفس المرارة بعد أن لفضت أمواج البحر الكثير من جثث أبنائهن..أبناء يدركون منذ نعومة أظافرهم أن إسبانيا ليست فقط مصارعة للثيران أو راقصات (الفلامينغو) اللواتي تحملن طقطقات أحذيتهن حزنا دفينا، بل هي أكثر من ذلك بكثير، هي حقول وضيعات ومصانع تؤمن راتبا محترما يوفر على الأقل الحد الأدنى من كرامة العيش، وتحقيق بعض الأحلام على قلتها..هذا على الأقل ما لمسناه ونحن نعد هذا الملف..

 

حينما تبدأ المغنية سلين ديون في الغناء فهي تأخذ جل مستمعيها على متن التايتانيك إلى أبعد حدود العشق والرومنسية.. الأمر نفسه يفعله غلاسياس للعاشقين للإسبانية.. وهذا ما كانت تفعله أم كلثوم وعبد الحليم يوما ما مع العرب..

اليوم تغير الحال من حال إلى حال، وأصبحت الأغاني  التي تثير الشباب وتجعلهم ينصهرون مع إيقاعاتها  وينجدبون لمعانيها ويجعلون من كلماتها شعارات لهم، هي أغاني الحريك والهجرة السرية والقانونية ومغادرة البلد كيفما كانت الوسيلة وبأي ثمن كان..

الشاب رضى الطالياني وجد لهم الحل، فغنى لملايين الشباب الحالم أغنيته الشهيرة (( يالبابور يا مونامور خرجني من لاميزير في بلادي راني محكور عييت عييت وجونيمار))، حينما غنى الطالياني هذه الأغنية أسس لدولته الخاصة.. دولة الحلم بالهجرة ومغادرة الأوطان، دولة المحرومين والمقهورين في بلدانهم والراغبين في مغادرة الوطن، اليوم قبل الغد، ومعانقة البحر وركوب البَابُور من أجل الانعتاق.. الانعتاق من وطن لم يكن لهم، وليس لهم، ولن يكون لهم... !!

فكل ما حل فصل الصيف، وتعددت اللوحات الصفراء ذات الترقيم الخارجي إلا وطفت الرغبة من جديد، وزاد الإصرار وتنوعت الطرق والوسائل لمحاولة التسلل إلى الضفة الأخرى التي لا تبعد سوى 12 كلم يُخيّل للبعض أن بإمكانه أن يعبرها سباحة..

"الشعاع" تتبعت خيوط الكثيرين ممن ركبوا المغامرة..مغامرة الحريك بجميع تجلياته ومخاطره وتفاصيله القاتلة التي تبقى في الذاكرة حتى وإن إختلفت الأيام وتنوعت التواريخ، فالمغامرة تبقى راسخة، منحوتة، لأن منبعها يأس وقنط ورحيل للمجهول، حيث الظلمة أول الطريق..

يتحدث حميد لـ "الشعاع" بصوت متعب وبحرقة كبيرة وضيق في النفس وهو يقول:((لبقيت هنا في هاد البلاد غادي نحماق))، وكلام حميد هو صوت من مئات الأصوات التي تردد نفس الرغبة وبنفس الإصرار والتحدي على أنهم غرباء في بلد ظنوا أنهم أصحابه، أو تحولوا إلى  جاليات مغربية في المغرب.

حميد، شاب في منتصف العشرينات من العمر ضاقت به السبل في مدينة صغيرة كسيدي قاسم، حيث الحلم يبقى حلما لا يتعدى جمجمة رأسك، وحيث الخيار المتداول بين أغلب الشباب هو حب العيش مع زعر الراس بدل كحل الراس، لذا يُصر الكثير من أبناء هذه المدينة كغيرهم على مغادرة هذا البلد في أول فرصة تتاح لهم.. في زودياكة..في بلانشة.. فوق لوحة خشبية.. أو أي شيء يطفو فوق الماء.. المهم أن يخترقوا عباب البحر ليصلوا للأندلس كما وصل إليها جدهم طارق بن زياد وبنفس الوسيلة مع إختلاف الغاية..

الفقر..والرؤيا المظلمة للحياة.. الغذ المفقود وتحقيق الحلم... الحرية الغائبة وصنع المستقبل.. بهذه الحمولة يهاجر الشباب إلى الضفة الأخرى.. هجرة المحروميين والحالميين بحياة أفضل لم يجدوها في وطنهم الذي خذلهم وولى ظهره لهم كما يقول أحدهم، الذي يروي قصته لـ"الشعاع" بعدما مارس هوياته المفضلة في الحريك لأربع مرات متتالية كانت الخامسة تابثة جعلته يستقر ويتزوج باسبانية كانت تبحث هي الأخرى على الهجرة..هجرة ثقافة رجال بلدها الذين لا يؤمنون بالجسد المترهل بالشحوم التي تجعل من المرأة ككتلة لحم تسير في الشارع، لذا فهي هاجرت إلى رجل مغربي/عربي يقبل المرأة/الوريقات كما هي ويجعل من مبدأ  الغاية تبرر الوسيلة هو مبدأه السائد.

 

حكمات عليه الظروف أن يتزوج بدينة من حفيدات فرانكو

 

 أمين الذي استقر بمدية مورسيا، أن رحلته مع الحريك هي كرحلة دونكيشوطية طويلة وغريبة.. ويضيف أمين لـ"الشعاع" وهو يرمي بنظراته بعيدا وكأنه يستحضر تلك اللحظات التي ركب فيها سيارة أحد أقربائه وتخفى بين مقتنيات العائلة التي كانت عائدة إلى حيث تقطن بجنوب بورد بفرنسا، فيقول:" أنه بعد وصولنا لميناء طنجة شدني الخوف وشعرت برهبة كبيرة كان لها مبررها بعدما أخرجتني شرطة الميناء من بطن السيارة حيث كنت متخفيا، عندها وتفاديا لـ(سين وجيم)، وتفاديا لأي إحراج قد أسببه للعائلة التي أرادت أن تركب معي  المغامرة، دفعنا ما تسير من مال لبعض رجال الشرطة في الميناء وأخلوا سبيلي عائدا إلى سيدي قاسم بعزم أكبر على أن أصل للضفة الأخرى مهما كان الثمن..وهكذا بعد محاولة أخرى فاشلة للحريك ومحاولات لشراء عقد عمل لمرات عديدة لم أوفق فيها، قررت بعدها أن أدفع مليوني ونصف المليون سنتيم مقابل شراء جواز سفر مزور من شبكة للتهجير السري يوجد مقرها في مدينة الناضور.. وهي الطريقة التي تمكنب بها من العبور إلى الضفة الأخرى عبر ميناء سبتة مستغلا ضغط عودة المهاجرين المغاربة في آخر كل صيف،الأمر الذي يجعل المراقبة لا تتم بشكل دقيق وهو ما اعتمدت عليه مع الكثير من الحظ...

                                       

خمس مرات هجرة سرية وخمس مرات طرد من الديار الأوروبية

 

الصدفة، هي وحدها الصدفة التي جعلتنا نلتقي ونحن نعد هذا الملف بمهاجر سري  لفظته للتو أوروبى الساركوزية، عبر القطار الرابط بين طنجة وسيدي قاسم، حيث كانت لنا دردشة طويلة مع رضوان المهاجر السري وابن مدينة وجدة.. رضوان شاب في 27 من العمر حينما تنظر إليه  تعتقد أنه كان في رحلة استجمام لم ينغض عليه أي احد هدوءها، لكن وبعد دقائق من تحرك القطار طلب منا رضوان أن نداري عليه، لأنه لا يملك تذكرة سفر وليس في جيبه غير ثلاثة أورو أخذها من سائحين اسبانيين عند بوابة القطار، فرضوان طردته فرنسا ساركوزي بعدما قضى سنتين في السجن بسبب القبض عليه وهو يبيع بعض أنواع المخدرات..

حينما طلبنا من رضوان أن يحكي لنا قصته الكاملة مع الحريك، لم يمانع مع بعض التحفظ بعدم ذكر اسمه الكامل ولا أن نأخذ له صورة، وهذا شرط لا تفاوض عليه..

قبلنا على مضض، فالهدف كان هو معرفة تفاصيل هجرته السرية وطريقة طرده من فرنسا وسبب رهن مستقبله بأوروبى بدل بدء حياته وبناء مستقبله في المغرب، في هذه النقطة بالذات  قال هذا الشاب: أنكم لن تصدقوني إن قلت لكم أني حينما كنت أعود للمغرب فكل الغبن والضيق يصيبني، وكلما هجرت إلى أوروبا ووصلت إلى مدنها النظيفة وأناسها ذوا الثقافة العالية والمتسامحة والطريقة التي يتعاملون بها معك ويحترمونك ولا يؤمنون بـ(شكون ابّاك ولا امك)، إلا وأحسست وكأني أشفى من كل الجراح التي أصبت بها في المغرب..فيكفي أن تعيش في محيط يوفر لك الحياة الكريمة لكي تشعر أنك انسان تُحترم آدميتك..

كلام رضوان صريح وصحيح.

ويضيف ابن وجدة، حينما سألته "الشعاع" عن الطريقة التي يسلكها في هجرته السرية فيقول؛ أن الطرق تختلف لكن الغاية واحدة، هي قطع البحر مرة في شاحنة ومرة في سيارة دون أن يدري صاحبها ومرة اتسلل للباخرة .. ومرات عديدة يكتشف امري وآخد علقة من الضرب والشتم تم يرمى بي خارجا اقسام الشرطة في الناضور أو في طنجة من باب التغيير..

لكن مع هذا فقد تمكنت خمس مرات من الوصول للضفة الأخرى ثلاث مرات بقيت فيها باسبانيا قبل أن أجعل من فرنسا مكانا لي في المرتين الأخيرتين، وقبل أن أستقر في فرنسا ذهبت عند أخي  في مدينة بروكسيل ببلجيكا ظانا مني أن آصرة الدم التي بيننا قد تساعد في تدليل الكثير من الصعاب، لكن ما أن انتهى الأسبوع الأول عند أخي حتى أعطاني 300 أورو وطلب مني المغادرة فأنا كما قال "راجل وخصني ندبر على راسي اراسي كما دار هو "، أخذت المال وتهت، لا أعرف أين أنام ولا أين استقر ولا أين أعمل.. خصوصا وأني لا أملك لا معارف ولا أوراق إقامة ولا أي شيء غير التوهان في بلاد لا أعرف أصغر دروبها..

وبعد غربة الضياع التي انضافت إلى غربة البلد، قررت مغادرة بلجيكا في اتجاه فرنسا التي عشت فيها تفاصيل لا تختلف عن تفاصيل شوارع بروكسيل..بدون عمل، بدون بيت يأويني، بدون أوراق إقامة تحميني من مطاردة الشرطة لي في كل يوم..

جربت أن أكون مفيدا.. فلم أستطع.. أن أكون صالحا بالمعنى المتعارف عليه.. فلم أستطع.. أن ابني حياتي فلم أستطع، لأن قوانين البلد لا ترحم المهاجر السري.. لهذا قبلت بطريق المخدرات فهي العمل المتوفر للمهاجر السري في ضواحي المدن الفرنسية.. بيع وكسب ومطاردة بوليسية يومية.. ثم سجن فطرد.. كما هو حالي اليوم، فمن السجن إلى إحدى الموانئ مع سبعة مغاربة آخرين، ثم مباشرة إلى ميناء طنجة كنهاية للرحلة..

سألنا رضوان عن ما سيفعله بعدما يصل إلى بيتهم في مدينة وجدة، خصوصا وأنه لم ير والدته لمدة خمس سنوات متتالية؟ فقال لنا بحماس كبير:(( غادي نطلب من الواليدة تخبز ليا شي ملويات سخان توحشتهم بزاف.. وبعدها سأنام لأربعة أيام متتالية..))، قالها والدموع تبرق في عينيه قبل أن يخبرنا أن بقاءه في المغرب لن يتعدى أربعة أسابيع على أكثر تقدير، فهو يعرف طريق العودة، بعدما ألف عباب البحر..

 

رحلات للهجرة وضعت لها أمواج البحر نقطة النهاية

 

إن كانت نساء الفقيه بن صالح حرمن على أنفسهن أكل السمك بجميع أنواعه لاعتقادهن أن أكله يعني أكل لحم أبنائهن الذين غرقوا في البحر أثناء رحلات الهجرة المتكررة، فإن نساء مناطق كثيرة من الغرب المغربي عشن نفس التجربة ونفس المرارة بعد أن لفضت أمواج البحر الكثير من جثث أبنائهن واحتفظت بأخرى، كما حدث قبل أسابيع قليلة لمجموعة من أبناء جماعة "الشبانات" الذين تعرضوا لحادث مأساوي في المياه الجزائرية على إثر غرق قاربهم الذي كان يحملهم سرا نحو إسبانيا.

هؤلاء الشباب الذين ينحدرون من الجماعة القروية للشبانات وبني احسن، حاولوا الهجرة عبر قوارب مطاطية ذات محركات سريعة من نقط معينة من الجزائر، قاصدين إسبانيا بعدما دفعوا مبالغ مهمة لمافيا تهريب البشر، لكن القدر والمصير كان أقوى من رغبتهم، حينما انقلب المركب الذي كان يقلهم، فمات من مات وفُقِد من فُقِد ونجا البعض بعد تدخل خفر السواحل الجزائري...

مثل هؤلاء كثُر بالإقليم، حيث الواحد منهم يتأهب لرحلات الهجرة السرية بعدما تضيق بهم السبل وتخنقهم الحياة، حينها يستعدون لرحلة الحياة أو اللاحياة، زادهم الوحيد صحن من البلوط  لسد الجوع وقنينة ماء لري الظمأ عند الضرورة، ومبلغ مالي قد يصل ما بين مليونين وخمسة ملايين سنتيم لركوب قارب خشبي أو مطاطي وبدء رحلة العودة للأندلس، مهتدين بالنجوم كما فعل آباءهم الأولون.

شباب المغرب بشكل عام، وشباب منطقة الغرب بشكل خاص، يدركون منذ نعومة أظافرهم أن إسبانيا ليست فقط مصارعة للثيران أو راقصات (الفلامينغو) اللواتي تحملن طقطقات أحذيتهن حزنا دفينا، بل هي أكثر من ذلك بكثير، هي حقول وضيعات ومصانع تؤمن راتبا محترما يوفر على الأقل الحد الأدنى من كرامة العيش، وتحقيق بعض الأحلام على قلتها.

أما البعض فيعتبر فرنسا  هي حلمه الأبدي، فلا شيء يضاهي التقاط صورة مع برج إيفل، أو في شارع الكونكورد الذي ينتهي بقوس النصر، أو شرب قهوة ساخنة في أشهر شارع في العالم وهو الشانزلزيه.. لذا، لا عجب أن يسقط المطر في باريس، لكن البعض يرفع المظلات في دكالة أو الغرب..

 

تقول الفكاهة الفرنسية: إن غرق مركب نفط عربي في الشواطئ الفرنسية يعتبر حادثة، أما إذا كان راكبو المركب من العرب يُحسنون العوم فتلك مُصيبة

 

إنها الفكاهة الفرنسية التي تعبر عن رؤية الفرنسيين للمهاجرين وللهجرة بشكل عام بعدما اختنقوا بها.

وهذا الاختناق، جعل فرنسا تطرد 14 ألف و600 مهاجر سري من بينهم 3400 مغربي دخل لفرنسا عبر الهجرة السرية، أي أن نسبة الطرد ارتفعت في فرنسا إلى 80 في المائة مقارنة مع السنة الماضية.

وهؤلاء الذين شملهم الطرد، سبق لهم أن دخلوا لفرنسا بطرق متعددة منهم من دخل إليها قادما بهجرة المراكب السرية، ومنهم من دخل إليها بتأشيرة قانونية وفضل البقاء بعد انتهاء صلاحيتها، ومنهم من دخل متخفيا في سيارة بضائع أو شاحنة نقل دولية.. لكن القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو أن مقامهم في بلاد  نابليون أصبح غير قانوني، لذا فساركوزي أصر على "تنقية" فرنسا منهم، وهذا ما سار إليه وزير الهجرة والاندماج والهوية الوطنية والتنمية التضامنية (بريس أورتفو) حينما صرح متفاخرا على أن فرنسا لم يسبق لها أن حقق مثل هذا الرقم في سنة واحدة بطردها لكل هذا العدد من المهاجرين الغير الشرعيين، كما أن ساركوزي أعلن أن هدفه قبل نهاية السنة هو طرد 26 ألف مهاجر غير شرعي من فرنسا، ووضَع برنامجا محددا يقضي بطرد 26 ألف في سنة 2008 و28 ألف في 2009 مع تحديد سقف لكل مدينة وولاية عليها أن تفي به عند كل سنة.

أما في مملكة خوان كارلوس، فمطاردة المهاجرين السرين بدأت تأخذ طابعا علينا، وحتى من كانوا إلى وقت قريب ينعمون ببطاقة الإقامة أصبحوا اليوم مهددون بفقدانها إن لم  يجدوا عقود عمل لتجديدها، وهو الأمر الذي أصبح جد صعب مع الضائقة الاقتصادية التي تعيشها اسبانيا في الوقت الحالي، وبعد الركود الكبير في مجال البناء الذي كان يمتص اليد العاملة المغربية..

لكن مع هذا، فالإحصائيات تشير إلى أن 263 مغربيا طلبوا اللجوء السياسي في إسبانيا سنة2007 حسب آخر إحصائيات وزارة الداخلية الاسبانية، وهو الرقم الذي يجعل من المغاربة في الرتبة الخامسة من 7662 طلبا تقدم به مواطنون من بلدان أخرى خصوصا من أمريكا اللاتينية...

إلى ذلك، شهد مطار محمد الخامس في الأشهر القليلة الماضية اعتقالات بالجملة شملت 130 مسافرا أجنبيا ومغربيا كانوا ينوون العبور إلى أوروبا بجوازات سفر وتأشيرات مزورة، أو أوراق إقامة ليست لهم.

لكن مع هذا، فقوارب الموت لا تتوقف ليل نهار لمجرد أن ينطق هؤلاء بهذه الأرقام، لأن المهاجر السري يحمل شعارا كبيرا قبل أن يبدأ رحلته، وهو أن الرب واحد والعمر واحد.

فحينما يظلمك الوطن(أو بعض من ينهبونه) ويتفننون في اختراع كل شيء لإذلالك ولفضك بلا رحمة ولا شفقة ليحتضنك العراء الموحش والسفر الطويل وربما الأبدي.. سفر لا أهل فيه ولا أحباب.. سفر مليء بالحزن وربما مصاحبة الموت في كل لحظة، حينها ترمي بكل شيء لأن لا شيء تملكه في حياتك لتخاف عليه..

انتهى كلام أحد المهاجرين السريين ممن التقتهم "الشعاع"، لكن لم تنته الحكاية، حكاية شباب حملوا أوطانهم في صدورهم كالجمر، وحملوا أحلامهم وأمانيهم وهبوا مبحرين باحثين عن الخلاص في بلدان ليست لهم ولن تكون لهم.. يغامرون بحياتهم لأنهم يعتبرون أن لا قيمة للحياة إن لم تكن حياة حقة وبكرامة حقة.

هذه هي حال المهاجرين السريين، الذين اختاروا مقايضة حياتهم كشرط للوصول إلى حيث يوجد الحلم المنشود، فالذل أقبح من الموت، والعذاب أهون من العيش بدون كرامة، لذا هم يخوضون رحلة التيه لا يطلبون غير حياة كريمة يعقبها موت كريم.. كفن وصلاة وجنازة كما باقي خلق الله.

 

خالد البرحلي// جريدة "الشعاع"
العنف في الجزائر.. الأسباب والمبررات
الشرطة الجزائرية تجمع أدلة من موقع الهجوم 

 

سقوط 43 قتيلا و38 جريحا  في هجوم إنتحاري جريء شرقي العاصمة الجزائر وبالضبط بمحاذاة أكاديمية للدرك  بمدينة  بومرداس، ثم مقتل 11 شخصا وجرح 31 آخرين جراء التفجير المزدوج بمدينة البويرة شرق العاصمة بعد يوم واحد من التفجير الأول، كل هذا العنف والقتل المبرمج  وفي أماكن لها خصوصياتها المعروفة، قد أحدت أكثر من  سؤال عن فاعلية الأجهزة الأمنية في الجزائر، لكن السؤال الأهم  الذي أعيد للواجهة عقب هذه التفجيرات هو التساؤل عن الأسباب الحقيقية للعنف في الجزائر  بعيدا عن الصورة السطحية التي تحاول السلطات في الجزائر تقديمها في كل مرة وحين، حيث بعد كل تفجير يخرج وزير الداخلية أو أي مسؤول حكومي ليتحدث عن  أن هذا الإرهاب الهدف منه تقويض ((الديمقراطية)) والمصالحة في هذا البلد.

والحقيقة أن العنف في الجزائر ليس وليد هذه التفجيرات التي نشاهدها اليوم، بل بدأ في سنة 1988م عندما تولدت أعمال سميت حينها بالتخريبية وصرحت في حينه السلطات في الجزائر أن مسببيها هو أحصنة طروادة لهم أيادي خفية أجنبية..

لكن بداية العنف الحقيقي بدأت في سنة 1992م حينما أجريت الإنتخابات التشريعية في دسمبر من نفس السنة حينها حصلت الجبهة  الإسلامية  للإنقاد على نحو ثلاثة ملايين صوت وحصلت جيهة التحرير الوطني على نصف ذلك العدد بينما حصلت جبهة القوى الإشتراكية على 500 ألف صوت.

وهنا بدأت الأسباب المباشرة لبداية العنف، حيث تدخل الجيش لإلغاء نتائج الإنتخابات بدعوى حماية البلاد من (( الفاشية الخضراء ))  بدعم من كل الاحزاب الخاسرة داخيليا والقوى الدولية خارجيا وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة الامريكية اللذان دعما الإنقلاب الأبيض كما سمي حين ذاك لأن صعود الإسلاميين يشكل خطرا على (( الديمقراطية في الجزائر )) ومستقبلها مع الغرب !!!!

وبعد أسبوعين من ذلك، أُوقف الدول الثاني في الإنتخابات ليبدأ العنف والعنف المضاد في الجزائر تحت مسميات وشعارات عدة، ليتحول الجزائر فيما بعد وطنا قابل للتبادل بين أيدي المغامرين ويصبح مثل بضاعة جاهزة لتسليم والتسلم بالبريد المضمون ..

إعاقة الولادة الطبيعية للديمقراطية ولدت المعانات للشعب الجزائري، هذه الولادة التي كانت لتنطلق بتلك الإنتخابات التي جرت سنة 1992 وهي بالمناسبة الإنتخابات الوحيدة التي جرت في الجزائر بشفافية شهدت عليها هيئات دولية معترف لها بالمصداقية. وما تلا هذه الإنتخابات كانت سوى لعبة ديمقراطية مصطنعة يعرف الكل نتائجها مسبقا.

ومن المعلوم أن الدولة الجزائرية كانت دولة الحزب الواحد إبان الإستقلال، وحينما تغير هدا النهج الدستوري، وتعددت الأحزاب لكن بطريقة غير سليمة حيث تكون أكثر من 60 حزبا تشكل معظمها على أسس عائلية أو بمبادرات مشبوهة، حيث استغل المنضوون إلى هذه الأحزاب التغرات التنموية التي أحدتها تراكم مليارات النفط على الخزينة الجزائرية، وحولوا أغلب هذه المليارات لأرصدة شخصية في حسابات لا تعلم بها إلا الخفافيش.

حينها بدأتأولى بوادر ذاك التنافر بين الشعب والسلطة، بين الإشتراكية كمفهوم تتبناه السلطة لتزين به وجهها الغير الحقيقي وبين الصورة البرجوازية التي يراها المواطن الجزائري أن حُكامه وقواد الدولة يعيشون فيها.

 لكل هذا إختار الجزائريون في إنتخابات 1991م التغير والتجأوا للإسلاميين كما حصل تماما حينما فضل الفلسطينيون حركة حماس على فتح حينما إستشرى الفساد في هذه الأخيرة.

المهم أن ضباط الجيش لم يعجبهم هذا الإختيار وكذا السياسيين والدول الغربية وأصحاب المصالح الخائفين على الإمتيازات التي كانوا يعيشون فيها، لذا إختاروا الإنقلاب على صناديق الإقتراع وعلى رغبة الشعب الجزائري. فيما إختارت قيادات الجبهة الإسلامية للانقاد الجبال الوعرة وحملوا السلاح ضد الدولة لأنها منعتهم في حقهم في الحكم ديمقراطيا (( حسب ما صرحوا به )) ..

ومنذ ذاك العهد، مات الآلاف في حرب قذرة بين أصحاب المصالح وأصحاب الأيديولوجيات، حيث الكل يوظف الشعارات لصالحه بدون أي اعتبار لدم الشعب الزائري الذي ينزف بدون أي مبرر مقنع.

 اليوم خرج من رحم تلك الجبهة للانقاد مسلحون أنضموا لتنظيم القاعدة فرع المغربي العربي واصبح يحمل اسم (( تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي )) وبدأ بتوسيع نشاطه في الجزائر وفي غير الجزائر وتقوى تكتيكيا ولوجستيكيا وأصبح قادرا على أن يفجر سبع سيارات في وقت متزامن كما حصل في وقت سابق في كل من تيزي وزو وبومرداس، وهي تفجيرات أنتجتها عوامل إنعدام الديمقراطية أولا والعبت  بمصالح  الشعب وخيراته ثانيا، إذ نجد اليوم تلاث سلطات في الجزائر متباعدة فيما بينها وفي بعض الأحيان متناحرة فأجهزت المخابرات هي موالية لأمريكا في حربها (( ضد الإرهاب )) والجيش الجزائري أغلبه يفض روسيا وصفقات السلاح الأخيرة تبين بوضوح هذا الأمر وهي صفقات فيها الكثير مما يقال، أما سلطة الأحزاب أو السلطة السياسية فهي متناحرة فيما بينها في تصفية الحسابات إستعدادا لكل إنتخابات قادمة.

اليوم  أصبح من الضروري على الجزائر أن تعي أن السياسات التي تبنتها لم تكن صائبة وعليها إعادة قراءة الواقع الجديد بمتغيراته الاقليمية والدولية، لذا وجب رمي بعض الشعارات لبرميل القمامة وأن تكف الجزائر عن محاولة تصدير الخرافات وتفتش في ترابها على البذرة التي نبتت  في مجتمعها حتى أفرزت ظاهرة القتل والتفجيرات، وهذه هي الأولوية التي على الجزائر ان تتبناها وتعمل على بلورتها على أرض الواقع عوض البحت عن مبررات أو مسكنات لا تفيد في حل أي مشكل بقدرما تؤجل ظهوره للسطح فقط، أما إن فضلت الدولة الجزائرية اللعب على أوراق ميتة عفى عنها الزمن، فلا بد أن الشعب الجزائري سيأخذ مكبر الصوت ليسمع صداه

الساكت منذ زمن.

خالد البرحلي// المغرب
khalid_berhli@hotmail.com
 
قذارة الموساد ومعيار الشرف عند العرب!!

 

شعار الموساد الإسرائيلي        

 

في الأيام القليلة الماضية أعلن وزير الأمن الفلسطيني عن اكتشاف الأجهزة ألأمنية الفلسطينية عن خلية مكونة من عشرة فلسطينيين كانت تتجسس لحساب الموساد الإسرائيلي، وقبل هذا الإعلان بحوالي أسبوعين كان قد أعلن الأمن اللبناني عن اكتشافه لخلية مماثلة تعمل لحساب الموساد أيضا، والخلية اللبنانية كان هدفها هو تحديد أماكن تواجد قيادات حزب الله، أما الخلية الفلسطينية فكانت مهمتها أيضا التركيز على أماكن التي يختبئ فيها كوادر ( حماس والجهاد الإسلامي )، وبعث إشارات وتحديد مواقع هذه الأماكن للطائرات الإسرائيلية من أجل أن تقوم  بعملية القصف والإغتيال.

وبالموازاة مع هذا، كشفت منظمة حقوقية اسرائيلية عن عمليات الإستفزاز والمساومة على العلاج التي يلاقيها الفلسطينيون في المستشفيات الإسرائيلية من طرف الموساد الذي يشترط عليهم العلاج نظير التجسس لصالحه وإلا بقي المريض الفلسطيني مهملا إلى الموت..

 الشيء المحزن في كل هذا، هو أن هؤلاء الجواسيس هم فلسطينيون ولبنانيين وهذا أمر يدعو لأكثر من تساؤل وعلامات تعجب واستفهام، إذ كيف لإبن الوطن أن يبيع الوطن وأبنائه؟؟ كيف؟؟ السؤال بسيط حسب ما كشفت عنه إحدى الصحف البريطانية على لسان أحد ضباط الموساد سابقا، حيث أقر هذا الضابط أن الموساد يقوم بتجنيد الفلسطينيين للعمل معه وذلك بعرض صور فوتوغرافية عليهم لإحدى قريباتهم أو زواجتهم أو إحدى بناتهم وهن شبه عاريات، وهذه الصور تؤخذ لهن سرا عند قيامهن بشراء الملابس أو القياس عند محلات الخياطة، فيصبح عندها من الطبيعي نزع ثيابهن للقياس، وهكذا تؤخذ لهن هذه الصور سرا وبأجهزة خاصة، وبها يستفز جهاز الموساد الفلسطينيين بأنه سينشر هذه الصور " الفاضحة " على الملأ إن لم يتعاونوا معهم. وهكذا يبيع الفلسطيني شرف وطنه وأرواح إخوانه ويلغي ضميره من أجل ستر صورة نسائه وحفاظا على " شرف " وسمعة بناته مما يعني أن التجسس لصالح (العدو) وتعريض مصالح الوطن وأهل الوطن هو أهون عليه من تفرُج الناس على صور نسائه في أوضاع غير مناسبة ككشف جزء من صدر زوجته أو ساق لإبنته أو ظهر لأحدى قريباته.

 وهذا هو الشرف لذا (بعض) الفلسطينيين والعرب عموما، فلا تستغربوا فلكل أمة أفضلياتها في هذا الزمان ولكل معاييره في تحديد الشرف في هذه الأيام !!.

 

خالد البرحلي // المغرب

khalid_berhli@hotmail.com

 

مــوريــتانـيا: مـن يـسـتـفـيـق بـاكــرا يـحـكـم البلاد !!
.....

في الصورة قائد الانقلاب الجنرال عبد العزيز والرئيس المخلوع 

لم يستطع مولود الديمقراطية الموريتانية أن يستمر في العيش أكثر من 16 شهرا كانت كافية لإعادة الأمور إلى زمن الانقلابات التي وصلت إلى 14 انقلابا منذ استقلال البلاد قبل 30 سنة، حيث فشلت تسعة انقلابات ونجحت خمس انقلابات في بلد متخلف كموريتانيا الذي يوجد ضمن دول العالم الثالث التي لا تؤمن إلا بالبندقية والدبابة لتغيير الأوضاع.

وهكذا، قام الجيش  بقيادة قائد أركان الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز وقائد أركان الجيش محمد ولد الغزواني انقلابا أطاح بالرئيس محمد ولد الشيخ مباشرة بعد إصدار هذا الأخير لقرار بإقالتهما.

وكانت مبررات هذا الانقلاب "أن الرئيس لم يعد قادرا على تسيير البلاد بالكيفية التي تضمن تعزيز الديمقراطية في موريتانيا". هكذا تناسلت مبررات الجيش لهذا الانقلاب على رئيس منتخب ديمقراطيا من طرف الشعب، وهي الانتخابات التي شهد العالم على نزاهتها وظن الجميع أن موريتانيا ستصبح القدوة في المنطقة والعالم العربي بهذا التطور الذي سلم فيه العسكر عن طواعية الحكم للمدنيين بانتخابات ديمقراطية، لكن برهنت الأيام أن عقلية العسكر في دول العالم الثالث لا يمكن أن تتعايش مع رغبة الشعب في اختيار من يحكمه عبر صناديق الاقتراع.

فالرئيس المخلوع محمد ولد الشيخ كان هو الرئيس الوحيد في تاريخ موريتانيا منذ الاستقلال سنة 1960 الذي انتخب ديمقراطيا، وهو نفسه الرئيس الذي استعمل سلطاته الدستورية لإقالة جنرالين نافذين في المؤسسة العسكرية التي لم تتقبل أن يمس "هيبتها" رجل مدني فاز بانتخابات حرة بـ52.85 في المائة وحاز على أصوات عشر مناطق من أصل 13 جهة بالبلاد..

المثير في هذا الانقلاب أن الكثير من الوزراء والسياسيين والأحزاب وحتى شريحة من الشعب الموريتاني أيدت هذا الانقلاب في صورة مصغرة عن تخلف الشعوب والسياسيين أحيانا عن مواكبة أو فهم أو التعايش مع الديمقراطية التي يتغنون بها دون أن يستطيعوا أن يمارسوها ويطبقوها أو على الأقل أن يحترموها حينما تكون موجودة.

هكذا عادت موريتانيا لنادي الدكتاتورية والدول المتخلفة ديمقراطية بعد أن مر ربيع 16  شهرا من الديمقراطية، وهكذا، ستصبح موريتانيا من جديد مثل النكتة التي لا تضحك أحدا حيث لا محالة  سيحكم البلاد بعد اليوم من يستيقظ باكرا ويستولي على قصر الرئاسة والإذاعة !!

 خالد البرحلي// المغرب                             

khalid_berhli@hotmail.com                        

هل أخطأنا حينما طالبنا بالاستقلال؟ !

ألم تكن تندوف نفسها قبل سنة 1956م ضمن الأراضي المغربي فأين    هي الآن بعد "الاستقلال"المزعوم؟؟

    
 
          العسكر ديال المغريب كخخخخ   

 

قرأنا في المدارس أن الاستعمار هو السبب في تخلفنا .. وهو الناهب لخيرات بلداننا .. وهو الذي حاكى

مؤامرة تشتيت بلداننا العربية  وتقسيمها وزرع الفتن والنعرات الطائفية بيننا ..

هكذا علمونا في المدارس وأرادوا منا أن نصدق أن الاستعمار والغرب هو الذي يجب أن يتحمل مسؤولية تخلفنا وما نحن فيه من تأخر!! بهذا المنطق أراد حكامنا أن يتنصلوا من دورهم ومسؤولياتهم فيما آلت إليه الأوضاع العربية ليبرروا أنفسهم أمام محكمة التاريخ التي لا تقبل الاستئناف حينما تحكم.

 لكن السؤال الآن هو: هل يمكن تزوير التاريخ يا ترى مع أن بعض فصوله ما تزال شاهدة على عبثية هؤلاء الحكام وعلى دور الاستعمار في أحيانا كثيرة في أن يكون أرحم من دوي القربى؟؟

لنفهم هذه التراجيدية دعونا الآن نفصل بعض جوانب هذا التاريخ ونعيده للذاكرة لكي لا نُتهم بالهلوسة وأننا صوت نشاز لعودة المستعمر على الأكتاف. لذا هيا بنا نفتح دفاتر التاريخ ونقرأ الجوانب التي يخفيها عنا حكامنا ويطلبون منا فقط أن نلتهم الطبق التاريخي المزور الذي يقدمونه لنا في المقررات التهاما بشكل أعمى وبلا  جدال ولا مجال لطرح السؤال والتساؤل فيه!!

الحقيقة التاريخية تقول؛ أن الدول العربية لم تُوَّحد إلا في العهد العثماني الذي أسس إمبراطورية إسلامية من بلاد تركيا حاليا إلى الجزائر حيت توقف المد العثماني، وهذه هي الوحدة التي عرفها العرب وهي وحدة مهلهلة سرعان ما انهارت وطبِّق بعدها مبدأ فرق تسد. فانغمست المنطقة إلى طوائف وعشائر وأقليات .. حتى أن العراق كان مقسما إلى ثلاث ولايات.. والشام أيضا كان مقسما، فكان الكل يقاتل الكل في تطاحن مستمر فأتى (هارولد أنغرامز) وطرح فكرة التصالح بما يسمى بصلح ( أنغرامز) وأصبحت تعرف حينها بالإمارات العربية المتصالحة، ثم أتى الانجليز وخلقوا منها إتحاد فدرالي .. ولو أردنا التدقيق في حال العرب سنجد أن فكرة الجامعة العربية أصلا هي لــ (أنطوان أيدن)، وحتى لبنان الذي يتقاتل اليوم بشعارات طائفية سنجده  كان ينعم بالسلام (الطائفي) تحت الحكم الفرنسي.. أما مصر التي كانت تحت الحكم الانجليزي  فقد أنجبت  من العلماء والمفكرين والأدمغة السياسية والوطنية أكثر مما تنجبهم اليوم في ظل استقلال الحصير دون استقلال المصير. فالعقاد وطه حسين ونجيب محفوظ  تفتقت عبقريتهم تحت حكم الاحتلال الإنجليزي لمصر أما اليوم فأغلب (فطاحلت) مصر هم من الشواذ مثل (العمدة) و (سعد الصغير ) و( السيناتورة روبي) لأن مصر تحولت من أرض لتفريخ العلماء والمفكرين والوطنيين.. وللغرابة كان هذا أيام الاحتلال إلى أن أصبحت اليوم  أكبر  ملهى للرقص ولتفريغ الكبت الخليجي في ظل الاستقلال المزعوم .. فهل هذه هي مصر الذي مات من أجل ترابها الملايين؟؟ هل هذا هو الاستقلال الذي يتحدث عنه مبارك بدون حياء وهو الذي استأنس بكرسي الحكم فاسترخى عليه ومن حاول أن يذكره بالأمر خنقه بقانون الطوارئ ؟؟

أما في المغرب فقد انطلت على الشعب كذبة أن المغرب أخذ استقلاله سنة 1956م وهي كذبة كبيرة لا تدعو للضحك. ويكفي أن نعود إلى "مغرب الحماية" لنجد أن الأراضي المغربية كانت معروفة بالرغم من تعدد الدول التي كانت  تحتله حيث الأسبان في الجنوب والشمال والفرنسيين في وسط البلاد. أما مدينة طنجة فكانت  منطقة دولية لكن مع كل هذا لا أحد كان ينكر أن كل هذه المناطق  هي أراضي مغربية مستعمرة والكل كان يعرف خريطة المغرب أين تبدأ وأين تنتهي.. أما اليوم فالعالم يقسم المغرب شمالا معترف به دوليا وجنوبا لا يعترف به أحد.

 فأي استقلال هدا الذي مازالت فيه البلاد مستعمرة من طرف الأسبان شمالا  وتحتل مدينتين مهمتين إستراتيجيا واقتصاديا وفي الجنوب هناك مشكل الصحراء الذي صرف عليه أكثر من 3000 مليار  سنتيم  هباء منثورا، لأن هذه المبالغ لم تغير الواقع في شيء .. ثم ألم تكن تندوف نفسها قبل سنة 1956م ضمن الأراضي المغربية فأين هي الآن بعد "الاستقلال"؟ المزعوم؟؟  لذا يحق التساؤل هنا .. من سنحاسب على هذا الاستقلال المزيف والناقص؟؟ من؟

 أما الجزائر فهي حكاية أخرى وأرجوكم دققوا معي في  تدفق التاريخ ولا تجعلوا عاطفتكم وصور الإعلام الرسمي تقودكم لدا تعالوا معي نعيد فتح دفاتر هدا التاريخ  وقارنه بالحاضر لنجد أن الجزائر لم تكن أسوأ حالا مما هي عليه الآن حيث خيال حكامها معطوب إلى أقصى حد ويكفي أن تعرف أن الجزائر التي تحتفل بالاستقلال والتي دام استعمارها 140 سنة من طرف فرنسا واستشهد مليون جزائري من أجل هذا الاستقلال، ومع كل هذه التضحيات للشعب الأبي سنجد اليوم أن هذا الشعب الذي ضحى بأرواحه  يتجول في مطارح القمامة ليبحث عن قوت يومه، في حين أن خزائن الدولية التي تدر الملايير من عائدات النفط يتقاسمها أمثال (عبد المؤمن خليفة) وحفنة من الجنرالات بتواطؤ مع أعلى سلطة في البلاد  الممثلة في الرئاسة في شخص (عبد العزيز بوتفليقة) الذي صرح (عبد المؤمن خليفة) أنه أقتنى لرئيس عبد العزيز بوتفليقة  سرب من السيارات المصفحة من أجل تمرير صفقات له دون المرور عبر القانون الجزائري الذي لم يعد يحمي إلا نفسه. زد على ذالك أن 4.5 مليار دولار اختفت فجأة من خزينة الدولة ..أين ذهبت?? الله وعبد العزيز بوتفليقة أعلم !!

 ويكفي أن نعرف أن راتب عبد العزيز بوتفليقة يفوق رواتب الكثير من رؤساء الدول الأوربية لنعرف أن الجزائر طردت المحتل من الباب الخلفي لتستقبله بلباس الوطنية من الباب الأمامي.. فأي استقلال هذا الذي ليس للشعب فيه دور وحياة كريمة في تقرير مصير حياته؟؟!!

أما السعودية فتحتاج لوحدها لعملية تشريح دقيقة لفترت حكم (آل سعود) فبعد خروج الإنجليز أتت هذه الأسرة فقبضت على الأخضر واليابس في بلاد الحرمين. ويكفي أن نعرف أن العاهل السعودي هو أغنى قادة العالم بثروة تقدر بـأكثر من 21 مليار دولار جمعها بحكم غير ديمقراطي فيه السلطة المطلة له ولآل بيته.

 وللعلم فهناك 800 أمير من أسرة (آل سعود) توزع ثروة النفط في أرصدة خاصة بهم ويأخذ كل أمير 10 آلاف دولار شهريا زد على ذلك أنهم لا يدفعون فواتير الكهرباء والهاتف وتذاكر السفر عبر الطائرة مع امتيازات  في كل المشاريع المقدمة للمناقصات، وكل هذه المصاريف يدفعه بدل عنهم دافعي الضرائب من فقراء السعودية، هذا ناهيك أن ما خفي هو أعظم.

إذن لا عجب أن تكون حال حكام  العرب هي هذه  حيث يتغنون بالاستقلال كشعار يؤمن لهم الاستمرار في كراسيهم تحت شعارات الوطنية وأحيانا  تحت شعار  القومية مع أنهم يعاملون شعوبهم كخراف تصلح للذبح والتضحية بها إن هددت مصالحهم وكراسيهم.

 الواقع المعيش يقول أن الشعوب العربية تلعن أوطانهم في اليوم آلاف المرات، بل وأستطيع أن اجزم أنه لو فتحت الحدود ما بقي أحد في هذه الأوطان. وما نلاحظه اليوم من نفور الآلاف من المهاجرين  نحو أوطان الغير والتفاخر بجنسيات  دول أخرى منحتهم القيمة الإنسانية التي افتقدوها في أوطانهم التي كانت بالنسبة لهم سجن  كبير.  حينما نرى كل هدا نعرف إلى أي مدى نحن في الحضيض وأن بلداننا  نخر خيراتها مصاصو الدماء لتصبح فارغة، خاوية،  موحشة، تشبه الظلمة التي ليس بعدها نور.

 لكل هذا لن نستغرب إن سمعنا من الكثير من العرب عن حنينهم لعودت الجيوش الفرنسية لشمال إفريقيا أو البريطانية للشرق الأوسط فهم على الأقل أرحم من كذبة الوحدويين العرب الذين لا يستطيعون توحيد حتى أسماء الأشهر أو كتابة الأرقام العربية أو الأصوات الأجنبية بشكل موحد ففي الخليج ينطقون مثلا اسم (ريقان) و في سوريا يكتبونها (ريغان) وفي مصر (ريجان ) والمغرب (ريقان) ولكم أن تتصوروا حينما ينطق المغربي (القاف) وينطقها  اللبناني (كاف) حينها القلب في عرف المغربي  سيصبح كلب في المنطوق اللبناني، فهل يوجد أكثر مسخرة من هذه خصوصا أننا نتكلم على القومية مع أننا كلما تخاصمنا مع بعضنا البعض نلهث إلى أقرب مسؤول أمريكي ليفتي بيننا ويخرق عورتنا كي لا يظهر المحظور!!

خالد البرحلي// المغرب 

khalid_berhli@hotmail.com                       

 

أدباء الحيطان.. أو الثوار الجدد
.........................................
 

حينما تضيق مساحات التعبير، تصبح الأمكنة اللااعتيادية هي أكبر متنفس للتعبير ورسم  جمل مبعثرة،هي بمثابة رسائل لمن يهمهم الأمر.

في أغلب حيطان المؤسسات التعليمية، لا بد أن يثير انتباهك جملا كتبت على عجل بألوان شتى وتعابير مختلفة، لكن الرسالة واحدة، وهي خلق صرخة تعبيرية قد يحوم حولها الاختلاف، لكن الأكيد أنها صرخة جيل ضاقت به السبل فأبدع طريقته الخاصة كي يثبت كينونته ويعبر عن ذاتيته ويصرخ بحريته الخاصة التي لا اختلاف عليها.

على البوابات الرئيسية للمؤسسات، وعلى الحيطان باختلافها، وعلى الأبواب بألوانها، تكتب العديد من((المعلقات)) منها من يخصص للإدارة، ومنها من خصص لـ"شعب" البرنوصي أو عين السبع أو عين عودة أو"شعب" الرباط/سلا وتمار وما جاورهما. وكلها تدل على شيء واحد لا ثاني له، هو أن هناك بصمة ثائر قد مر من هنا.

  أما على جدران المؤسسات باختلاف أسمائها، فتنمحي رقابة المجتمع وتصبح الجدران بمثابة لوحات للحرية والتعبير عن المكنون، فهناك من يهجو، وهناك من يمدح، وهناك من يسب ويشتم.. كل يبسط حريته حسب هواه، وبدون رقيب..

الحيطان هي قنوات التعبير لمن لا قناة له، وهي المكان الوحيد الذي يملك الكل "حقوق النشر" فيه وإفراغ شحناتهم الاجتماعية والنفسية والعاطفية بأشكال عدة..

فعلى جدران المؤسسات التعليمية، وعلى حيطان دور الشباب والمجالس البلدية والملاعب، وعلى اللوحات الإشهارية وحوافي الأرصفة، والمؤسسات الخاصة، نجد كتابات ونقوش تشبه من بعيد الكتابة الإغريقية لكن المتمعن القريب فيها سيجد أنها تنتمي للغة الضاد بأبجدياتها المتنوعة، وتحكي ولو بشكل عشوائي عن هَم جيل قَنُط من الصمت، وقرر أخيرا أن ينطق ويتكلم ولو بالكلمات التي لا تنتمي لأي قاعدة إعرابية.

                 خالد البرحلي// المغرب 

khalid_berhli@hotmail.com           



<<الصفحة الرئيسية