
صورة لـ دوار "الباشا" بسيدي قاسم خاص
خالد البرحلي
لن تتوه كثيرا وأنت تبحث عن دوار "الباشا"، فالمسافة الفاصلة بينه وبين البلدية أو العمالة هي بمقياس مئات الأمتار ليس إلا، ومع ذلك، فحينما تقصد هذا الدوار، لابد أن تتراقص علامات التعجب والاستفهام فوق رأسك بعدما تجد أن هذا الدوار قد أصبح مجرد أطلال منسية وكأنه حي بئيس من أحياء قندهار بأفغانستان حيث طائرات "الفرنجة" قصفت الطين و الحجر والأخضر واليابس.
إن أردت أن تزور دوار "الباشا" ما عليك إلا أن تسلك الطريق المعبدة التي تأخذك إلى دوار "العتامة"، هناك، وعلى تل صغير، ستجد أطلال بيوت وبقايا "حفريات" تعلمك بالآتي: مرحبا بك في دوار "الباشا"، أو بالأحرى هنا كان يعيش سكان دوار "الباشا" ذات يوم.
أن تصل إلى هذا الدوار، يعني أن تشاهد بأم عينك عشرات البيوت المهدمة، وبقايا بيوت مازلت تأوي إلى حد اليوم الإنسان والحيوان في حالة سلم وسلام وتعايش. في هذا الدوار الذي لا يملك لا أزقة ولا عناوين ولا أي علامة على أننا في القرن الواحد والعشرين، أصبح كل شيء خرابا، فقط هناك قطة تجول بحرية على أنقاض البيوت، وبقايا جزء من مئذنة كان يذكر فيها اسم الله، و طفل صغير مازال مع عائلته يصرون على البقاء في بيتهم النصف المهدم ولسان حالهم يقول أن العوز والفقر هو الأقرب لنا أكثر من محاربة السكن العشوائي الذي تردده السلطات.
هذه هي الصورة التي عليها دوار "الباشا"، والباقي تفاصيل، مجرد تفاصيل لحياة مواطنين قاسية كتب عليهم الفقر ورسمت على جبهاتهم علاماته.
في هذا الدوار لم تعد توجد سوى عشرة بيوت مازالت تأوي بعضا ممن "غفل" المشرفون على إحصائهم لأسباب تعود في أغلبها لعدم تواجد مالكي هذه البيوت أثناء عملية الإحصاء، وتسجيل الأسماء، لذا مازال أصحابها يصرون على البقاء في بيوتهم إلى أن تجد لهم السلطات حلا، أما بعضهم فيصر على التمسك بحيطان بيته لأنه لا يملك قوت يومه فما بالك بالمبالغ الذي تطالبهم بها مؤسسة "العمران" كي تسلمهم قطعة أرض عليهم أن يوفروا لها مبلغا محترما كي يبنوا عليها مأواهم الجديد.
هذا هو حال هذا الدوار، الذي يسميه البعض بالروضة المنسية، ويشبهه البعض الآخر بدوار البؤس والفقر والعوز. والحقيقة أنه يجمع كل هذه الصفات التي تجعل الزائر إليه يعتقد أنه فعلا مكان لا ينتمي للمغرب لولى العلم الأحمر المعلق على ناصية أحد الحيطان المتبقية، والذي يؤكد لمن قد يساوره الشك، على أننا فعلا مازلنا في المغرب، أجمل بلد في العالم.
دوار "الباشا" هو كباقي دواوير سيدي قاسم التي بنيّت في عهد كانت فيه سلطة القايد والمقدم كافية كي يُؤسَس في رمشة عين مجمع سكني على شكل دوار، وحيث يمكن لرشوة صغيرة أن تمكنك من الحصول على تصريح ببناء بيت على ثلة مقابلة على المدينة في تجمع سكني سمي فيما بعد بـ دوار" الباشا" وآخر سمي بدوار "الدوم أو الكوش" وآخر بـ "باب الولجة" وهلم جرا على دواوير تناسلت مثل الفطر البري في وقت كان فيه مصطلح البناء العشوائي مازال غريبا على قاموس الدولة .
اليوم تغيرت المعايير، وتغيرت المصطلحات، وتغيرت المفاهيم للتجمعات السكينة، وأصبحت الدولة تحارب ما تسميه "بالسكن الغير اللائق" أو "السكن العشوائي"، وبالتالي فما بني في عهد سابق "سمي تجاوزا" بعهد السيبة في البناء، وجب اليوم هدمه في عهد ضبط معايير معينة للتجمعات السكنية.
بهذا المفهوم، حكم على دوار "الباشا" بالزوال من الخريطة وطبق عليه قرار هدم ما يقرب من 141 منزلا وإعادة إسكان أصحابها في بقع أعطيت لهم في تجزئة "الزاوية2" وبأثمنة قيل حينها أنها تفضيلية، والتي أصبحت اليوم تعجيزي.









